تستعرض الكاتبة جوليا شابيرو تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على مشاريع الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، حيث بدأت المواجهة العسكرية تؤثر في البنية التحتية التقنية في المنطقة وتثير تساؤلات حول الاستثمارات الضخمة التي ضختها شركات التكنولوجيا الأميركية في دول الخليج.
وتوضح صحيفة ذا هيل أن شركات التكنولوجيا الكبرى خصصت مليارات الدولارات لبناء مراكز بيانات وتوريد شرائح إلكترونية إلى دول الخليج الغنية مثل السعودية والإمارات. جاء ذلك في وقت تتعامل فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الشرق الأوسط باعتباره شريكًا رئيسيًا في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي في مواجهة الصين.
الخليج يدخل سباق الذكاء الاصطناعي
تسعى دول الشرق الأوسط، التي اعتمدت لعقود طويلة على عائدات النفط، إلى تنويع اقتصاداتها عبر الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. يرى خبراء أن حكومات الخليج تدرك أن مكانتها الجيوسياسية ارتبطت تاريخيًا بسلاسل إمداد النفط العالمية، لكنها تحاول الآن استبدال هذا النفوذ بدور مؤثر داخل سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي.
يشير كريس ماكجواير، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن قادة المنطقة يقرأون التحولات العالمية في الطاقة والتكنولوجيا، ويعملون على ضمان موقع مؤثر في الاقتصاد الرقمي القادم. لذلك تضخ الحكومات الخليجية استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
يختلف موقف الإدارة الأميركية الحالية عن مواقف سابقة أبدت بعض التحفظات بسبب علاقات بعض دول المنطقة بالصين. لكن إدارة ترامب تبنت شراكة واسعة مع دول الخليج في مجال التكنولوجيا المتقدمة منذ بداية ولايته الجديدة.
صفقات تكنولوجية بمليارات الدولارات
شهدت جولة الرئيس الأميركي في الخليج خلال أول رحلة دولية له في ولايته الثانية توقيع سلسلة اتفاقيات تقنية ضخمة. شارك في هذه الجولة عدد من أبرز قادة شركات التكنولوجيا العالمية، من بينهم إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، وآندي جاسي رئيس أمازون، وسام ألتمان رئيس شركة OpenAI، إضافة إلى رؤساء شركات إنفيديا وAMD وبالانتير وغيرهم.
أعلنت شركتا إنفيديا وAMD عن اتفاقيات كبيرة مع شركة “Humain” للذكاء الاصطناعي التي أنشأها صندوق الاستثمارات العامة السعودي. تعهدت إنفيديا بتزويد الرياض بنحو 18 ألف شريحة متقدمة من طراز Blackwell، بينما كشفت AMD عن شراكة بقيمة عشرة مليارات دولار مع الشركة السعودية.
وفي الإمارات أعلن ترامب خطة لبناء مجمع ضخم لمراكز البيانات في أبوظبي. لاحقًا أعلنت شركة OpenAI تعاونها مع شركة G42 الإماراتية إلى جانب شركات إنفيديا وأوراكل وسيسكو وسوفت بنك لبناء منظومة حوسبة عملاقة تعرف باسم “Stargate UAE” بقدرة تصل إلى جيجاواط واحد.
استمرت هذه الشراكات خلال الأشهر التالية، إذ أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال زيارة إلى واشنطن عن توسيع التعاون مع شركات التكنولوجيا الأميركية. كشفت شركة Humain عن خطة لنشر ما يصل إلى 600 ألف شريحة ذكاء اصطناعي بالتعاون مع إنفيديا، كما أعلنت اتفاقًا مع شركة xAI التابعة لإيلون ماسك لبناء شبكة واسعة من مراكز البيانات.
تشير تقديرات شركة جارتنر للأبحاث إلى أن الإنفاق التقني في الشرق الأوسط قد يتجاوز 155 مليار دولار في عام 2025، مع توقع ارتفاعه إلى نحو 169 مليار دولار في عام 2026.
الحرب تهدد البنية التحتية الرقمية
لكن الحرب مع إيران أدخلت عنصرًا جديدًا من المخاطر في هذه الطموحات التقنية. فبعد الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في أواخر الشهر الماضي، والتي أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ردت طهران بهجمات استهدفت مواقع في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط.
ألحقت ضربات بطائرات مسيرة أضرارًا بثلاثة مراكز بيانات تابعة لشركة أمازون في الإمارات والبحرين خلال الأيام الأولى من التصعيد. أصابت الطائرات المسيرة مركزين في الإمارات بشكل مباشر، بينما انفجرت أخرى قرب منشأة في البحرين وتسببت بأضرار مادية في البنية التحتية.
نشرت وسائل إعلام إيرانية أيضًا قائمة بمنشآت وشركات أميركية اعتبرتها أهدافًا محتملة، وضمّت القائمة شركات تكنولوجية كبرى مثل غوغل ومايكروسوفت وبالانتير وآي بي إم وإنفيديا وأوراكل.
يرى خبراء أن إيران تستهدف هذه البنية التحتية التقنية لأنها تمثل ركيزة أساسية في مستقبل الاقتصاد العالمي. يشير بعضهم إلى أن مراكز البيانات أصبحت عنصرًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن منشآت الطاقة أو الموانئ.
يقارن بعض المحللين هذه المخاطر بوضع سلاسل إمداد الشرائح الإلكترونية العالمية التي تعتمد بدرجة كبيرة على تايوان. إذ تنتج الجزيرة أكثر من 90 في المئة من الشرائح المتقدمة في العالم، ما يجعل أي صراع محتمل مع الصين تهديدًا كبيرًا للاقتصاد العالمي.
مستقبل الاستثمارات رغم المخاطر
رغم هذه التحديات يرى بعض الخبراء أن شركات التكنولوجيا لن تتخلى بسهولة عن استثماراتها في الخليج. تمتلك دول المنطقة مساحات واسعة من الأراضي، إضافة إلى رؤوس أموال ضخمة وإمدادات طاقة مستقرة وبيئة تنظيمية مرنة نسبيًا، وهي عوامل تجعلها موقعًا جذابًا لبناء مراكز البيانات الضخمة.
يشير بعض المحللين إلى أن الشركات قد تسعى إلى تنويع مواقع استثماراتها لتقليل المخاطر الجيوسياسية، لكنها ستواصل في الوقت نفسه شراكاتها مع السعودية والإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي.
ويؤكد خبراء أن أهمية مراكز البيانات ستزداد في السنوات المقبلة مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والقطاع العسكري والعمليات الحكومية. لذلك يتوقع كثيرون أن تتحول هذه المنشآت إلى أهداف استراتيجية في أي صراع مستقبلي، ما يجعل أمن البنية التحتية الرقمية قضية مركزية في الجغرافيا السياسية للتكنولوجيا.
https://thehill.com/business/5783723-us-war-iran-middle-east-ai/

